كتاب وآراء

د.هشام الأعور: ثقافة التبعية في حياة اللبنانيين.

الاصلاح السياسي

كثيرة هي السلوكيات التي يمارسها اللبنانيون في حياتهم اليومية،ما فتئت تشكل حتى أيامنا هذه رافدا اساسيا في بنائهم الثقافي وجانبا هاما من عاداتهم وتقاليدهم المتوارثة منذ مئات السنوات.

الأمر الذي يخرج عن الجدال والنقاش، ان السلوكيات الاجتماعية والسياسية والفكرية بما هي تعبيرات ثقافية سلوكية وعملية، هي في الوقت نفسه رفيقة العهود والأزمنة الممتدة التي تعطيها صلابة واستمرارية في مواجهة المتغيرات ، ومع ان كثيرا من تقاليد الشعوب تتكيف مع الطارئات من الأحداث والمتبدلات الوافدة او تذوب وتتلاشى ، فان بعضها يتحول مع تعاقب الأزمان الى ممارسات واعتقادات مقطوعة عن منطق العقل البشري او مجردة من المعنى او حتى فاقدة للتفسير ومن ضمنها حالة التبعية التي شكلت السمة الأبرز في موروثات الثقافة اللبنانية.

مسلسل التبعية اللبناني مزمن. عمره من عمر عهد السلطنة العثمانية والانتداب الفرنسي على لبنان. السياسة في لبنان ، أداء نموذجي لتعايش “الطوائف المتناحرة”. تراث الكيدية يكاد يكون أيديولوجيا السياسة. الكيان اللبناني مترامي الأطراف، يعيش على إيقاع التوجس. افدح ما فيه، انه يخاف من شعبه، ومحكوم من “محميات” محروسة برماح الطائفية البغيضة.

لبنان الآن. هذا ليس جديداً. انقسامات قاطنيه موروثة. لا مناص منها. ليست بحاجة الى استدعاء. لبنان مدرسة في اساليب التعطيل والفراغ المتوارث. ما يحصل راهناً، تتمة لما حصل سابقاً. معارك تنتهي بتسويات  ، وتسجيل الأرباح لهذه الجماعة على حساب الجماعات الأخرى. لبنان انتحر مراراً. تجزّأ مراراً. استقر ذات حرب، على انفصال بين شرقية وغربية.

لبنان “ولايات غير متحدة” . مسكين لبنان: عاش تجارب رائدة في الفكر والايديولوجيا والحداثة .. كان منارة الشرق . تم اخماده بالقوة. الفساد هو سياسة الاستعباد. راهناً، لبنان بات بلا لبنانيين . تفرَّع الشعب الى فدراليات ومناطق وشوارع ومخيمات للنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين ..

إنه  البؤس اللبناني . ليس ثمة خطر على لبنان  راهناً، يوازي الأخطار التي تعرض إليها عقب الحصار التجويعي القاسي وانتشار المجاعة فيه بسبب الجراد ابان الحكم العثماني وقيام “القائمقامية المزدوجة” وتعليق المشانق في ساحة الشهداء على يد القائد الاعلى للجيش العثماني جمال باشا السفّاح .

لقد تمت تصفية تطلعات العلمانيين والوطنيين واليساريين والشيوعيين والقوميين والمثقفين وما تبقى من قيم في الحداثة . الفساد  وباء. الطائفية كوليرا. الزبائنية تتقن الإسكات والخنوع . الاذلال هو لعنة الوجود لا أكثر والمواطن هو الخاسر الأكبر في لعبة الكبار. ضحايا هذه “الولايات غير المتحدة”  آمنوا سابقا بمستويات الحدود الدنيا من العدالة الاجتماعية  لكن هؤلاء الحالمين بمستقبل أفضل للأجيال القادمة لم يتنبهوا الى ان وطنهم  منذور لتجار الهيكل المعترف بهم دولياً وأممياً .

محنة لبنان ، لن تكون الأخيرة. سبقتها محن كثيرة. جهنم عندنا، يتم انتاجها غب الطلب. ثم يُعاد انتاجها مراراً. العبقرية اللبنانية  انجبت نموذجاً لا يُحتذى: استدعاء أطراف إقليمية ودولية للتدخل في ادارة شؤونهم الداخلية وللحد من الفتنة الممنوعة.

زعماء الطوائف في لبنان يشبهون الأديان. هم في مقام النقاء نظرياً، فتقديس الزعيم مهنة اتقنتها ونجحت في ابراز اناقتها شريحة واسعة من المستعبدين الذين تحولوا مع الزمن الى كتلات بشرية خيالية خالية من أي فكرة تحررية ، تتشبث بتقاليد وأوهام متخلفة، ويتوسمون القدرة والألوهية في زعمائهم ما جعلهم مطيعين لهم طاعة عمياء ولا تجمع بينهم جامعة سوى الاحساس بالقهر والعذاب والشعور بالعجز وفقدان الكرامة الانسانية .

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »